الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

349

تفسير روح البيان

سورة الزخرف بسم الله الرحمن الرحيم حم اى القرآن مسمى بحم أو هذه السورة مسماة به يقول الفقير امده اللّه القدير حم إشارة إلى الاسمين الجليلين من أسمائه تعالى وهما الحنان والمنان فالحنان هو الذي يقبل على من اعرض عنه وفي القاموس الحنان كشداد اسم للّه تعالى ومعناه الرحيم انتهى والمنان هو الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال كما قال في القاموس المنان من أسماء اللّه تعالى المعطى ابتداء انتهى وقد جعل في داخل الكعبة ثلاث أسطوانات الأولى أسطوانة الحنان والثانية أسطوانة المنان والثالثة أسطوانة الديان وانما أضيفت إلى اللّه تعالى تعظيما كما قيل بيت اللّه وناقة اللّه فأشار بهذه الأسماء الثلاثة حيث جعلت في داخل الكعبة المشار بها إلى الذات الأحدية إلى أن مقتضى الذات هو الرحمة والعطاء في الدنيا والمجازاة والمكافاة في الآخرة وبرحمته انزل القرآن كما قال مقسما به وَالْكِتابِ بالجر على أنه مقسم به اما ابتداء أو عطف على حم على تقدير كونه مجرورا بإضمار باء القسم على أن مدار العطف المغايرة في العنوان ومناط تكرير القسم المبالغة في تأكيد مضمون الجملة القسمية الْمُبِينِ اى البين لمن أنزل عليهم لكونه بلغتهم وعلى أساليبهم فيكون من أبان بمعنى بان اى ظهر أو المبين لطريق الهدى من طرق الضلالة الموضح لكل ما يحتاج اليه في أبواب الديانة فيكون من ابان بمعنى اظهر وأوضح وقال سهل بين فيه الهدى من الضلالة والخير من الشر وبين سعادة السعداء وشقاوة الأشقياء وقال بعضهم المراد بالكتاب الخط والكتابة يقال كتبه كتبا وكتابا خطه اقسم به تعظيما لنعمته فيه إذ فيه كثرة المنافع فان العلوم انما تكاملت بسبب الخط فالمتقدم إذا استنبط علما وأثبته في كتاب وجاء المتأخر وزاد عليه تكاثرت به الفوائد يقول الفقير لعل السبب في حمل الآية على هذا المعنى الغير الظاهر لزوم اتحاد المقسم به والمقسم عليه على تقدير حملها على القرآن وليس بذلك كما يأتي إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا ان قلت هذا يدل على أن القرآن مجعول والمجعول مخلوق وقد قال عليه السلام القرآن كلام اللّه غير مخلوق قلت المراد بالجعل هنا تصيير الشيء على حالة دون حالة فالمعنى انا صيرنا ذلك الكتاب قرءانا عربيا بانزاله بلغة العرب ولسانها ولم نصيره أعجميا بانزاله بلغة العجم مع كونه كلامنا وصفتنا قائمة بذاتنا عرية عن كسوة العربية منزهة عنها وعن توابعها لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ كلمة لعل مستعارة لمعنى كي وهو التعليل وسببية ما قبلها لما بعدها لكون حقيقة الترجي والتوقع ممتنعة في حقه تعالى لكونها مختصة بمن لا يعلم عواقب الأمور وحاصل معناها الدلالة على أن الملابسة بالأول لأجل إرادة الثاني من شبه الإرادة بالترجي فقوله لعلكم تعقلون في موضع النصب على المفعول له وفعل اللّه تعالى وان كان لا يعلل بالغرض لكن فيه مصلحة جليلة وعاقبة حميدة فهي كلمة علة عقلا وكلمة مصلحة شرعا مع أن منع التعليل بالغرض العائد إلى العباد بعيد عن الصواب جدا لمخالفته كثيرا من النصوص والمعنى لكي تفهموا القرآن العربي وتحيطوا بما فيه من النظم الرائق والمعنى الفائق وتقفوا على ما تضمنه من الشواهد الناطقة بخروجه عن طوق البشر وتعرفوا حق النعمة في ذلك وتنقطع أعذاركم بالكلية إذ لو